منتدى ماستر القضاء الإداري

منتدى ماستر القضاء الإداري

منتدى يهدف إلى توفير كل مايخص طالب القضاء الإداري من معلومات وبالتالي الرقي بمستواه المعرفي والقانوني,
 
الرئيسيةاليوميةس .و .جبحـثقائمة الاعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
كن إبن من شئت واكتسب أدبا ---- يغنيك محموده عن النسب

شاطر | 
 

 عرض حول الجذور الإسلامية للقضاء المغربي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
كولان



عدد المساهمات : 2
تاريخ التسجيل : 22/12/2012

مُساهمةموضوع: عرض حول الجذور الإسلامية للقضاء المغربي   السبت ديسمبر 22, 2012 2:23 pm

جامعة محمد الخامس السويسي - سلا-
كلية العلوم القانونية و الاقتصادية و الاجتماعية
ســلا الجديــدة



عـــرض حول: الجذور الإسلامية للقضاء المغربي

من إعداد الطلبة:
* ياسمينة الجابري * ياسين الخلفي
* عبد الفتا ح كولان * لبنى الحيمر
* إدريسية المراق * مريم ابنيعيش
* أمين بلكويرح * نور الدين عاطي

تحت إشراف: الدكتور لحسن أبكاس

مقدمة
بسم الله الرحمان الرحيم والصلات و السلام على أشرف المخلوقين و على آله وصحبه و من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
إذا كانت الحياة البشرية تقتضي نوعا من الضبط والنظام لأجل استمرارها وتجنبا للفوضى والفناء التلقائي، فإن ذلك يقتضي بالضرورة وجود نظام قضائي معين يختلف في تشكلته حسب ظروف الزمان والمكان، حيث إنه بتعريج مختصر عبر تاريخ الإنسان نجد أن العدالة مرت بمراحل وتطورت عبر نواميس معينة حيث انتقلت من مرحلة العدالة الخاصة التي كانت ترتكز على الانتقام الفردي، كان عندئذ المعتدى عليه يأخذ القصاص لنفسه من المعتدين مرورا إلى مرحلة عدالة الجماعة أو القبيلة والتي لم يغب عنها هي الأخرى عامل الإنتقام، وإن اتخذ شكل جماعي من قبيلة المعتدى عليه ضد قبيلة أو جماعة المعتدي أو المرتكب الخطيئة، وصولا إلى نظام قضائي يمارس كما هو عليه الحال اليوم عبر أجهزة أو مؤسسات.
والقضاء بذلك يعتبر الوسيلة المعتمدة لحل الخلافات بين المتخاصمين، استنادا إلى قواعد قانونية مجردة ونزيهة، مع التزام الحياد والإستقلالية في إصدار الأحكام. والحضارات على مر العصور من بين أهم ما يميزها هي أنظمتها القضائية لا سيما تلك المعروفة بالحضارات العادلة أو الديمقراطية بالمفهوم الحالي، كما هو الشأن بالنسبة لحضارة بابل، حيث يحفظ لها التاريخ مدونة حمو رابي الشهيرة أو ما يسمى قانون العين بالعين حيث طبق النظام القضائي آنذاك باحترافية كبيرة، كذلك حضارة الفراعنة سيما إبان حكم بعض الأسر الفرعونية كالأسرة الساوية أو السادسة والعشرون، والتي من المحتمل جدا أن الفرعون رمسيس - الذي تمجده الأساطير كان هو ملكها – فهذه الحضارة وخاصة إبان أوجها عرفت الساكنة شعورا يضاهي ما كانت تشعر به الحضارة البابلية من عدالة اجتماعية وأمان، وأهمية الشعور بالعدالة امتدت عبر تاريخ الإنسانية إلى اليوم فكتابات المفكرين والفلاسفة شتى هي في هذا المجال فمن أفلاطون الذي أسهب فس التنظير للعدالة وفرق بين العدل والعدالة وصولا إلى الفيلسوف الألماني كانت الذي أتى بمثال غاية في الدقة حيث أجاب عن فرضية أنه إذا كانت هناك جماعة مقيمة بجزيرة وسط البحر وحان وقت رحيلها، وأن من ضمن الجماعة شخص محكوم عليه بالإعدام – وعلى فرض أن رحيل الجماعة وتركها له سوف لن يؤديها في شيء ما دامت ستغادر وتتركه يواجه مصيره – إلا أن هذا الفيلسوف يرى وجوب تنفيذ عقوبة الإعدام في حق ذلك المذنب وذلك لأجل شعور الجماعة بالعدالة.
إلا أن كل تلك الحضارات ونظرا لوثنيتها فهي لا تضاهي في أحكامها الحضارة الإسلامية، ذلك أن من نعم الله على العباد أن أرشدهم إلى شريعة صالحة لكل زمان ومكان فقاعدتها جلب الإصلاح والصلاح بشتى أنواعه ومختلف صوره، ودرء الفساد بجميع مكوناته و أشكاله ، وان من جوانب هذه الشريعة المباركة الجانب القضائي في الإسلام الذي تعتبر أحكام القرآن الكريم والسنة المطهرة موردا معينا ومصدرا غنيا لمقومات بناءه وركائز أسسه تمد البشرية بكل الحلول الناجعة والطرق الحكيمة لمواجهة كل متحكم و حل كل الصعاب مهما عظمت وفق قواعد ثابتة وكليات مثينة تواكب كل عصر وتسع كل جديد، و من هنا كان لهذا النظام فضل السبق على كل الأنظمة القضائية تأصيلا وتقعيدا على أمتن الأسس التي تحقق مقاصد القضاء بأتم الأوجه وأحسن الطرق وأكملها وأفضلها وبالتالي فهو أجدر ما يحتدى به لاستيعابه كافة مناحي الحياة و مشكلاتها المعاصرة، ولعل رسالة عمر بن الخطاب رضي الله عنه إلى أبي موسى الأشعري في القضاء شاملة لكل المبادئ الأساسية في القضاء حيث جاء فيها: ثم الفهم الفهم فيما أدلي إليك مما ورد عليك، مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس الأمور عند ذلك، وأعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله وأشبهها بالحق.
والمغرب من بين الدول التي كانت تعمل بهذا النظام منذ دخول الإسلام إلى ربوعه طيلة ثلاثة عشر قرنا إلى حين التدخل الأجنبي حيث حالت الأحوال وتغيرت الظروف، وامتدت يد المستعمر إلى خيراته، فنهش و استبد بل وغير معظم شؤون البلاد، واستهدف في مقدمتها بالأساس القضاء لاعتباره القلب النابض للبلاد، وخدمة لمصالح هو كمستعمر، وبعد حصول المغرب على الاستقلال بادر إلى القيام بإجراءات جوهرية كمغربة القضاء وإصدار قوانين موحدة بين مختلف جهات المملكة وإحداث أجهزة قضائية مختلفة، إلا أن المغرب لم يتخلص ولم يلغ بشكل كلي ما كان سائدا إبان فترة الحماية من نظام قضائي، بل استفاذ منه وأحدث بالتالي نظاما قضائيا يمكن القول بأنه نظام قضائي عصري.
وإذا كانت بصمات النظام القضائي اللاتيني وخاصة الفرنسي منه – للاعتبارات الآنفة الذكر - حاضرة و بقوة داخل النظام القضائي المغربي الذي يبدو للوهلة الأولى نسخة طبق الأصل لنظيره الفرنسي، فإن ذلك لا ينفي كون تأثيرات الشريعة الإسلامية متأصلة فيه وبشكل لا يترك أي مجال للشك، مما يدفعنا إلى التساؤل عن ماهية أسس القضاء في الإسلام ؟ وإلى أي حد أخذ المغرب في قضاءه من الشريعة الإسلامية ؟
وعليه سوف تتم مقاربة هذا الموضوع وفق التصميم التالي:

المبحث الأول : أساس القضاء في الإسلام
المطلب الأول: مصادر القضاء
الفرع الأول: القرآن والسنة والإجماع
الفرع الثاني: التشريعات الصادرة عن ولي الأمر و العرف
المطلب الثاني: أنواع القضاء في الإسلام
الفرع الأول: المؤسسات القضائية
الفرع الثاني: المؤسسات شبه قضائية
المبحث الثاني: تجليات الشريعة الإسلامية في القضاء المغربي
المطلب الأول: خصوصية القضاء المغربي في الإسلام
الفرع الأول: بلورة نظام القضاء الإسلامي في المغرب
الفرع الثاني: القوانين المغربية و قواعد الشريعة الإسلامية
المطلب الثاني: من حيث المبادئ العامة
الفرع الأول: المبادئ المتصلة بحماية القاضي
الفرع الثاني: المبادئ المتصلة بحماية المتقاضي
خاتمة




المبحث الأول : أساس القضاء في الإسلام
المطلب الأول: مصادر القضاء
الفرع الأول: القرآن والسنة والإجماع:
إن المصدر الأول للقضاء في الإسلام هو القرآن ، فالله يقضي و لا يقضى عليه ، والقرآن نص على ضرورة العدل بين الناس لقوله سبحانه وتعالى في سورة النساء: ’’ إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل ’’ . كما نص على ضرورة الحكم بالقسط لقوله تعالى: ’ّ’ لقد أرسلنا رسلنا بالبينات و أنزلنا معهم الكتاب و الميزان ليقوم الناس بالقسط ’’. كما أسند مهمة القضاء للنبي عليه أزكى الصلاة و السلام لقوله تعالى في سورة النساء: ’’ إنا أنزلنا اليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراك الله ولا تكن للخائنين خصيما ’’، فهذه الآيات بينت بوجوب الحكم بين الناس بشرع الله ، و في إقامة العدل و رفع الظلم، وهو من مهمات إرسال الرسل وإنزال الكتب السماوية .
ونجد أيضا من مصادر القضاء في الشريعة الإسلامية السنة النبوية، حيث كان النبي صلى الله عليه و سلم، يمارس في البداية مهمة القضاء بنفسه ، إلى جانب اختصاصاته الأخرى نظرا لقلة عدد المنازعات و عدد المسلمين، فخلال هذه الحقبة لم تعرف الشريعة الإسلامية مبدأ الفصل بين السلطات ، بل نلاحظ تركيزها في يد الإمام. و من سننه القولية ، حثه صلى الله عليه و سلم على تولي القضاء للقادرين المتمكنين من أنفسهم بإقامة العدل و عدم إتباع الهوى، لقوله عليه أزكي الصلاة و السلام: ’’ إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران ، و إذا حكم فاجتهد ثم أخطا فله اجر واحد ’’.
كما أنه صلى الله عليه و سلم كان يعهد إلى أصحابه بمهمة القضاء في حضوره ليعلمهم القضاء، فقد جاء خصمان إلى الرسول صلى الله عليه و سلم يختصمان ، فأمر عقبة بن عامر رضي الله عنه فقال: " قم يا عقبة اقض بينهما ,فقال بابي أنت و أمي يا رسول الله ، أنت أولى بذلك ، فقال و إن كان اقضي بينهما ، فان اجتهدت فأصبت فلك عشرة أجور ، وإن أخطات فلك أجر و احد" .
ومن مصادر القضاء كذلك في الإسلام ، الإجماع ، حيث أجمع المسلمون منذ عصر الصحابة حتى يومنا هذا على مشروعية الحكم بين الناس، والفصل بينهم في النزاعات و الخصومات بالإجماع ، وقد حكم الخلفاء الراشدين بين الناس ، و قلدوا القضاة و الحكام ، فصار بذلك فعلهم إجماعا.
فعن معاذ بن جبل رضي الله عنه لما بعثه النبي صلى الله عليه و سلم إلى اليمن قاضيا ، وسأله عليه ازكي الصلاة و السلام "بم تقضي يا معاذ ، إذا عرض عليك النزاع ، قال معاذ : اقضي بكتاب الله ، قال :فإن لم تجد ، قال : فبسنة نبي الله، قال : فان لم تجد ، قال اجمع رأيي و لا ألوا، فضرب النبي صلى الله عليه و سلم صدره ، و قال " الحمد لله الذي وفق رسول الله لما يرضي الله و رسوله ".
فمن هذا الحديث إشارة واضحة إلى مشروعية الإجماع في غياب الكتاب والسنة، وهو اتفاق العلماء أو اتفاق أغلبهم بالإجماع على الحكم في نازلة معينة لم ترد في الكتاب والسنة.
الفرع الثاني:التشريعات الصادرة عن ولي الأمر و العرف:
هناك مصدرين آخرين للقضاء في الإسلام، ألا وهما التشريعات الصادرة عن ولي الأمر والعرف حيث إن ولي الأمر في بلاد المسلمين هو المسؤول الأول عن تطبيق الشرع الإسلامي ، وهو بالتأكيد مطاع فيما يأمر به من تعليمات و تشريعات يصدرها في مسائل لم يرد بها نص صريح ، مثل سلطة التجريم و العقاب في جرائم التعازير التي لاتخالف النصوص الشرعية الثابتة في القرآن والسنة. وقد يكون التشريع من ولي الأمر بشكل غير مباشر اعتمادا على مبدأ وجوب طاعة ولي الأمر، غير أن هذا الأخير و إن ترك له سلطة التشريع فهو يمارس هذه الوظيفة عن طريق الشورى حسب ما أسسها الإسلام و طبقها الهادي البشير سيدنا محمد صلى الله عليه و سلم.
أما بخصوص العرف ، فقد قال الله سبحانه و تعالى في محكم آيات الذكر الحكيم: " خذ العفو وأمر بالعرف و أعرض عن الجاهلين ".
فالعرف أحد المصادر التي قضى بها القاضي المسلم عند جلوسه قاضيا يقضي في منازعات المسلمين، ونأخذ كمثال : أن العرف في بداية الفتح العربي لمصر كان هو مصدرهم قبل دخول أقباط مصر في الدين الإسلامي، والإرتضاء بالشريعة الإسلامية كمصدر للتشريع.
المطلب الثاني: أنواع القضاء في الإسلام:
الفرع الأول: المؤسسات القضائية:
ما دام الظلم والتعدي والتحاصم لصيقا بالبشرية وجودا وعدما فإن ذلك يستوجب بالضرورة وجود أجهزة أو جهات قضائية يحتكم إليها لفض الخصومات على أنواعها ، فقد جاء الإسلام بنظام قضائي شامل لحل الخلافات سواء بين الأفراد فيما بينهم أو في علاقتهم بالحكام، فأوجد نظاما قضائيا تمثل في الولايات الثلاث : ولاية القضاء وولاية المظالم وأخيرا ولاية الحسبة.


الفقرة الأولى : ولاية القضاء:
لقد ظهرت بوادر القضاء في الإسلام في عهد الرسول(ص) يظهر ذلك انطلاقا من الكتاب الذي وجهه عليه السلام إلى المهاجرين والانصار والذي فيه مما يتعلق بالقضاء :" وإنه من ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده، فإن مرده إلى الله عز وجل، وإلى محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة أبره..."(1 ) . من خلال هذا الحديث الشريف يتضح أن الرسول صلى الله عليه وسلم كان القضي الوحيد في بداية الاسلام الذي كان يفصل في خصومات المهجرين والأنصار، مهما اختلفت أنواعها وهذا بالدرجة الأولى يعود إلى أن المهجرين والأنصار، كانوا بمتابة النواة الأولى للبلاد الإسلامية التي بدأت تتوسع بفضل الفتوحات مما استوجب تفويض أمر البت في خصومات القضاء إلى البعض من الصحابة، كعلي ومعاد بن جبل رضي الله عنهما حيث أوكل لهم الرسول صلى الله عليه وسلم القضاء في اليمن.
ويكون تولي القضاء وفق شروط معينة منها البلوغ والذكورة والعقل والفطنة والحرية والاسلام والورع، وبعد اجتياز اختبارات مضبوطة وتوجيهات محكمة لما يجب التحلي به في مجلس القضاء.
ونجد أن ولاية القاضي تنقسم إلى قسمين ، فهي إما خاصة أو عامة :
- الولاية خاص: حيث أن القاضي يقتصر على الشروط الواردة في كتاب تعيينه من حيث المكان والزمان والموضوع، مثلا قد يقتصر تعيينه على البث في خصوكات النكاح والطلاق وفي وقت محدد كيوم من أيام الأسبوع ومكان محدد كذلك.
- الولاية العامة: حيث لا تكون مقيدة بشرط من الشروط السابقة أي أن تكون شاملة لشؤون المحاجير والتشاجر والخصومات إقامة الحدود والأوقاف وغيرها.
وإذا كانت ولاية القضاء تنظر في خصومات الرعية فيما بينهم فإن ما يقع من نزاع بين هؤلاء والحكام فهو من اختصاص والي المظالم.
الفقرة الثانية: ولاية المظالم :
قضاء المظالم هو ذلك القضاء الذي يفصل في الشكاوى ضد الحكام أو جهاز الحكم وعموما تعقب أشد أنواع الضلم وهو ضلم الولاة وكبار رجال الدولة فإن أول من نظر المظالم في الإسلام هو النبي (ص)، فقد خاصم رجل من الانصار الزبير بن العوام عند النبي (ص) في شراج الحرة (مسايل الماء) التي يسقون بها النخل. فقال الأنصاري سرح الماء يمر فأبى عليه. فاختصما عند النبي (ص)، فقال رسول الله (ص) للزبير: " إسق يازبير ثم أرسل الماء إلى جارك "، فغضب الأنصاري فقال: "أن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه الرسول (ص) ثم قال: اسق يا زبير، ثم احبس الماء حتى يرجع إلى الجدر فقال الزبير : والله إني لأحسب هذه الآية نزلت في ذلك" .
ومن ذلك يتضح أن النبي (ص) نظر المظالم وردها إلى أصحابها ، وإن كان التشابه بين القظاء والمظالم واضحا حتى قيل – بحق - إن ولاية المظالم صورة من صور القظاء إلا أنها أهم منه شئنا وأعمق أثرا.
ولتولي المظالم شروط خاصة نذكر منها: أن يكون شخصا جليل القدر نافذ الامر عظيم الهيبة ظاهر العفة قليل الطمع كثير الورع لأنه يحتاج في نظره إلى سطوة الحماة. ويبث القضاة في جميع صفات الفريقين إن يكن بجلال القدر نافد الأمر في الجهتين.
وفي المقابل فقد أنيط به مهام متعددة نذكر منها:
• النظر في القضايا المقامة ضد الولاة وعمال الخراج والدواوين إذا انحرفوا عن الجادة.
• تأخر المرتزقة في حالة تأخر دفع الأرزاق لهم.
• تنفيذ أحكام القاضي أو المحتسب في حالة الإمتناع عن تنفيذها.
• السهر على تطبيق العبادات.
• رد ما يغصب على أصحابه.
• والخليفة هنا أو من يفوض له كل وسائل الإجبار على التنفيذ مثل السجن والتخويف.
الفقرة الثالثة: ولاية الحسبة:
تختص الحسبة في الأمور الظاهرة التي لاتحتاج إلى دعوى أو إلى استقضاء مثل الغش أو التدليس ومراقبة الأسعار والبخس في الأثمان والأبنية العشوائية وغيرها، وقد كان الرسول (ص) أول من بث في هذه القضايا والدليل على ذلك الحديث الشريف "من غشنا فليس منا " ، ومن الصحابا نجد أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، كان يقوم بمهام المحتسب بنفسه ، حيث سجلت مراجع الفقهاء أنه رضي الله عنه في إحدى المرات، أمر بهدم بناء شيد حديثا بشكل غير مناسب للمصلحة العامة. كما كان يراقب أسعار السلع بالسوق .

ومن شروط المحتسب أن يكون:
يجب أن يكون المحتسب عدلا ذا رأي وسماحة وخشونة في الدين، وذا علم بالمنكرات الظاهرة ، وقد أوكلت له اختصاصات يمكن إجمالها في :
أنه يعمل على مراعاة الأحكام والسهر على حدود الله بإقامتها والعمل على بناء المساجد وتعميرها وإنشاء الطرق وتعبيدها ومعاونة أهل السبيل وذوي الحاجات وتزويج الأيامى والنساء بأكفائهن، وكذلك يتفقد الأسواق ومراقبتها ومراقبة التجار فيها ومن في حكمهم.... وكان لوالي الحسبة يستعين في عمله بأفراد ليكونوا له عونا وسببا في الرهب والغلبة.
وإذا كانت الولايات الثلاث أي القضاء والمظالم والحسبة تعتبر مؤسسات فإن الإسلام عرف إلى جانب هذه المؤسسات أخرى شبه قضائية تتمثل في الإفتاء والتحكيم.
الفرع الثاني : مؤسسات شبه قضائية:
الفقرة الأول : الإفتاء:
يمكن تعريف الفتوى بأنها إخبار بحكم الشرع لا على وجه الإلزام وهذا القيل يراد به تمييزها عن القضاء، إلا أن الفتوى بالرغم من ذلك لا تخلو من إلزام وإلتزام، فالمفتي حين يخبر بحكم شرعي يكون سنده هو الشرع ومرتبته مقدرة من الجميع فيكون إلتزام المستفتي نابع من السمع والطاعة لأوامر الشرع مباشرة( ). ودليل الشرع على ذلك ما جاء في قوله تعالى في سورة النساء: " وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللاَّتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً "( ) وكذلك قوله تعالى: " فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا "( ) وعن الرسول (ص) حيث قال: " من سؤل عن علم فكتمه الجم بلجام من نار".
ويشترط في المفتي العلم بالقرآن والسنة النبوية وأحكام الفقه وأصوله وكذا إلمامه بقواعد اللغة العربية .
ونظر المفتي شامل للأحكام الشرعية العلمية منها والإعتقادية والأصولية وبالآداب الإسلامية عموما فهو أوسع من تصدي القاضي لحكم نازلة خاصة، كما أن عمل المفتي أعم من عمل المجتهد.
والفتوى تتعلق بالسؤال عما لم يقع وعن الأغلوطات والمعظلات والمتشابهات، ولذلك قال الإمام الشاطبي: " كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوض فيما لم يدل على إستحسانه دليل شرعي أعني بالعمل على القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعا "( )
الفقرة الثاني: التحكيم:
التحكيم اصطلاحا هو تولية خصمين حاكما أو أكثر يحكم بينهما برضاهما لفصل خصومتهما، فهو عند الفقهاء دون مرتبة القضاء إذ يتولى طلبه من الغير أي الخصوم أنفسهم، وليس السلطان أو من يقوم مقامه من أصحاب الولاية على الناس كما هو الحال في القضاء.
وهو شعبة من شعب القضاء، قال صاحب تبصرة الأحكام " وأما ولاية التحكيم بين الخصمين فهي ولاية مستفادة من آحاد الناس وهي شعبة من القضاء متعلقة بالأمور دون اللعان والحدود والقصاص".
والأصل في جواز التحكيم قوله تعالى في سورة النساء :" وابعتوا حكما من أهله وحكما من أهلها إن يريدا اصلاحا يوفق الله بينهما " والصحابة يجمعون على جواز التحكيم.
وتعد حرية أطراف التحكيم في اختيار الهيئة التي ستنظر خصومتهم، وحقهم في عزلها بالاتفاق، من أهم مميزات التحكيم، كونها تمثل ضمانة حقيقية لأطراف التحكيم على عدالة ونزاهة الحاكم بينهم.
نطاق التحكيم:
• المعاملات التجارية والمالية، من مداينات ومشاركات وبيوع.
• الأحوال الشخصية من خطبة وزواج وطلاق وفسخ.
• الخلافات الشخصية والمشاجرات وغيرها.
• الأمور الأخلاقية عموما.
• التحكيم لا يمتد نظره في القضايا التي تمس النظام العام.حيث أن ولاية التحكيم قاصرة في نظر المنازعة المعروضة عليها باتفاق الأطراف وليس لها النظر في غيرها إلا باتفاق جديد.
أركان التحكيم :
• الإيجاب من المتخاصمين في تولية الخلاف بينهم إلى محكمين يحكمون بينهم.
• قبول من المكمين بذلك.
• المحل المعقود فيه التحكيم.أي موضوع التحكيم.
شروط المحكمين:
• أن يكون معلوم الهوية من طرف الخصمين.
• أن يكون أهلاً لولاية القضاء.
• أن لا يكون بينه وأحد الخصمين قرابة تمنع من الشهادة.

المبحث الثاني: تجليات الشريعة الإسلامية في القضاء المغربي
المطلب الأول: خصوصية القضاء المغربي في الإسلام
الفرع الأول: بلورة نظام القضاء الإسلامي في المغرب
إقتناعا منا بضرورة ربط الحاظر بالماضي ، رغم عدم وجود حتمية تاريخية معينة يمكن من خلالها ترتيب الأحداث التي عرفها المغرب ، ومن تم فلا يسير تنظيم أو إعادة تنظيم جهاز القضاء فيه كجزء من أجهزة الدولة في نسق محدد ، بل عرف تغيرات مرتبطة بالتغيرات التي عاشتها البلاد، رغم كل ما ذكر نعود إلى هذه المرحلة البعيدة، حتى لا نربط بين ظهور جهاز قضائي منظم وتاريخ فرض الحماية على المغرب، ما دمنا نؤمن بأن المغرب في مرحلة ما قبل الحماية لم يكن في ظلام مطبق، ولم يكن خاليا من كل مكونات الدولة كما يحلو للحامي أن يصفه ليلعب على تعميق الهوة بين تلك الفترة وفترة ما بعد الحماية. مستغلا الظلام الحالك ليبرز الإصلاحات ويبقى الحدث الفاصل هو إعلان الحماية، رفضا منا لهذا المعطى التاريخي الذي وإن لم يكن خاطئا مائة بالمائة فإنه ليس صائبا أيضا مائة بالمائة، إن هذه الفترات من تاريخ المغرب تبدو بلون رمادي، إزالة لنوع من هذه الضبابية، نورد بعض الحقائق التي تدل على أن المغرب كانت تتوفر فيه مكونات الدولة.
ففي مرحلة ما قبل الحماية كان السلطان ينظر في شؤون الدولة دون تمييز ومن بينها شكايات الأفراد، ونقض الأحكام أو ابرامها أو الإنعان ، ومع زيادة توسع اختصاصاته كان يلجؤ إلى التفويض كوسيلة لنقل بعض أعبائه إلى من حوله ليعينوه على ممارستها، ويبقى له حق التدخل في أي وقت، وعرفت الدولة المغربية في فترات مختلفة { وزارة التفويض} ويبقى تفويض القاضي في الفصل في منازعات الأفراد النمودج الواضح لنضرية التفويضالتي عرفها المغرب كدولة إسلامية خلال هذه الفترة.
هذا النظام الذي يخضع له القضاء يعطي صورة عن مبدأ فصل السلطات الذي كان معروفا قبل الحماية وظل السلاطين المغاربة المتعاقبون يهتمون بمنصب القضاء كأحد مكونات الدولة ، ويعدونه من { أسمى المناصب ، وأعظم الولايات بعد الإمامة العضمى } ( ) وكان المخزن يقوم بالتحريات التامة لمعرفة من يصلح له ويتوصل بعد ذلك بظهير بالتولية وتعيين المحل المولى عليه وتحديد منطقة التولية وتعداد قبائلها ولو كثرت ، كما يؤمر القاضي في الظهير { بتصفح الرسوم ، والفصل بين الخصوم على ما تقديه الشريعة المطهرة، والوقوف في الحكم مع راجح المذهب المالكي أو مشهوره أو ما جرى به العمل مما له مستند في الشرع وأقره حمات الدين.... } ( ) كما تجري اختيارات للقضاة ويتلقى العمال والولاة رسائل عن أحولهم.
إذن يبقى المصدر الوحيد للقضاء على مستوى النصوص هو الشريعة الإسلامية أما قوة القاضي فيستمدها من نيابته عن الإمام هذا الأخير الذي يعد سلطانا وخليفة في نفس الوقت . وترجع خصوصية الخلافة في المغرب إلى كون العرب عندما دخلو إليه لم يكونوا أغلبية وحاولوا السيطرة على البربر بشكل تدريجي على مستوى السلطة وعلى المستوى العقائدي ، خاصة أن البربر كانوا ديمقراطيين بطبيعتهم.
أما التمييز بين الوالي والقاضي والمحتسب فيرجع إلى فترة غير قصيرة من الزمن ، تناهز ثلاثة قرون وكانت هذه المناصب مظافا إليها الناظر، تمثل الحد الأدنى الضروري لفرض سلطان ما سلطته وحكمه على منطقة معينة، وقد عين عدد من الاشخاص منذ ذلك الحين لتولي قضاء الجماعات.
وقد وضع السلطان محمد بن عبد الله بعض الإجراءات المسطرية التي يجب احترامها خلال القرن الثاني الهجري ككتابة الأحكام ، وتهييئ نسختين منها.
ويمكن أن نخلص من هذه المرحلة على المستوى الإيديولوجي إلى أن الشريعة الإسلامية كانت هي المصدر لنظام القضاء . فضلا عن أن مبدئ الفصل بين السلطات ونضرية التفوبض بمفهومهما الفرنسي الحالي المتطور لايمكن القول بوجودهما في تلك المرحلة من خلال المعطيات التاريخية المتوفرة لدينا .
ولانعتقد أن هذا يعد ثغرة في نظام الدولة المغربية بمكوناتها المختلفة بل على العكس يدل على نوع من الأصالة ، حيث لم يتم وضع أي قوانين هجينة أو دخيلة. وإلى حين اعلان الحماية في المغرب ، ظل القاضي الشرعي رمزا للقضاء ذي الإختصاص العام بكل ما يهم المغاربة والمسلمين دون تمييز بين نوعية المنازعات التي تثور بين الأفراد، كما يختص القاضي الشرعي بتفسير النصوص والقواعد بإحالة من القائد. فهذا الأخير يطبق فقط القانون ولا يفسره.
إلى جانب المحاكم الشرعية توجد أنواع أخرى من المحاكم الشئ الذي يدل على أن القضاء لم يكن موحدا ، هذه الجهات الأخرى هي القضاء العبري والعرفي والمحاكم المخزنية، بالنسبة للأجانب كانو يخضعون لنظام القناصل. أما معيار توزيع الإختصاص بين هذه المحاكم فكان معيارا شخصيا، أي أن جنسية الأطراف أو ديانتهم هي التي تحدد الجهة المختصة بنظر الدعوى.
وعلى هذا فإن التنظيم القضائي المغربي قبل الحماية كان يأخذ بواقع وجود جماعة من المغاربة اليهود حيث كان قانون أحوالهم الشخصية يختلف عن باقي المغاربة المسلمون ، بالإضافة إلى نظام الإمتيازات في الميدان القضائي الذي كان يخضع له المغرب نتيجة تهافت الدول الإستعمارية عليه.
واعتبارا لهاته المعطيات ، تعايشت خلال مرحلة ما قبل الحماية عدة أنماط من الجهات القضائية وهي المحاكم الشرعية والمحاكم العبرية ومحاكم الولاة والمحاكم القنصلية.
المحاكم الشرعية : كانت توجد بكل دائرة من الدوائر الإدارية محاكم شرعية تنظر في قضايا المسلمين ونزاعاتهم سواء تعلقت بالمعملات المدنية أو التجارية أو الأسرية باستثناء الجنايات والجنح المتعلقة بالامن العام .
وقد كان القاضي الشرعي يطالع المرسوم ويفاصل الخصوم ويحكم في القضايا الشرعية بما أراه الله فيها، ومع هذا فعليه بالتحري والتزام المشهور من مذهب الإمام مالك. وكان حكمه حكما نهائيا لايقبل الطعن ، ومع ذلك فهو لا يكتسب صفة الشئ المقضي به لأن نفس النزاع كان يرفع من جديد أمام القاضي لينظر فيه بناءا على حصول المتقاضين على فتوى من المفتي الذي يجب عليه أن يتوفر على اطلاع فقهي واسع يشمل الاصول والفروع، كما أن عليه أن يكون عارفا بالأعراف والعادات والتقاليد المحلية. والقاضي هو الذي يرشح الراغبين أو الصالحين لشغل منصب الإفتاء لدى الدوائر العليا.
من أجل تقديم المتقاضين شكاياتهم ضد القضاة وكذلك ضد تصرفات بعظ الموظفين الإداريين، تم إنشاء وزارة خاصة تسمى وزارة الشكايات ، حيث يتلقى وزير الشكاية شكوى من أحد الأفراد ويقوم بتبليغها إلى الملك الذي له الحق الفصل فيها أو يحيلها على قاضي القضاة.
الفرع الثاني: القوانين المغربية و الشريعة الإسلامية:
إن المغرب ظل وفيا لتعاليم الدين الإسلامي على مدى تاريخه الطويل، وبالضبط للمذهب المالكي. إلى أن دخل المعمر ، فشرع لتوه في صياغة القوانين ، كالتقنين المدني والتجاري والعقاري والجنائي.... لتطبق من حيث الأصل، على الأجانب المتواجدين على أرض المغرب طوال مدة الحماية . لكن تطبيقها تجدر بعد ذلك وتوسع فامتد إلى المغاربة أضحت القوانين المستعارة من فرنسا مغربية تطبقها المحاكم المغربية تلقائيا على الأجانب والمغاربة سواء.
وهناك تشابه كبير بين المبادئ المستمدة من القانون الفرنسي وبين قواعد الشرع الإسلامي، ما دام القانون الفرنسي الأصلي ، أي قانون نابوليون استمد في كثير من جوانبه من الفقه الإسلامي.
هذا عدا كون مدونة القانون المدني المغربي أخدت عن القانون التونسي . وللإشارة فأثناء اعداد القانون المدني التونسي ، وسعيا من المعمر الفرنسي لتفادي إثارة حفيظة الوطنيين، أنشأت لجنة مختلطة لإعداده من أساتذة وقضاة تونسيين وفرنسيين .
صحيح أن بعض القواعد الشرعية الجنائية تعطلت في القانون المغربي لكون قانون نابوليون لم يتبنها، مثل القصاص في الإعتداء على النفس وقطع اليد في السرقة ، والرجم أو الجلد في الزنى...، وإنما عوضت بالعقوبات المعتمدة في قانون نابوليون، كسلب الحرية والغرامة والحرمان من الحقوق والمصادرة...
ومما تسلل للقانون المغربي أيضا من قواعد منافية للشرع المادة 6 من القانون التجاري السابق التي ظلت تقيد حق المرأة في المتاجرة بضرورة استصدار إذن زوجها، إلى أن جاء تعديل 1996 ( ظهير فاتح غشت 1996 ) ، فبعث المبدأ الشرعي المعترف للمرأة بحق المتاجرة دون حاجة لموافقة زوجها ، واعتبر هذا المبدأ من النظام العام، وبذلك تحقق الانسجام بين مبادئ القانون التجاري، وقانون الأسرة الذي اعترف للزوجة بكامل حرياتها واستقلالها عن الزوج فيما يتعلق بإدارة شؤونها الخاصة وأموالها.
إنما وخلافا للقوانين أعلاه ، ظلت فروع أخرى من القانون المغربي وفية لمبادئ الشرع. وعلى رأسها قانون الأسرة. فمدونة الأسرة استمدت بالكامل من الفقه الإسلامي القديم، وبالأولوية من الفقه المالكي، وأشارت غير ما مرة إلى أنه إذا ما جوبه القاضي بفراغ في مسألة معينة، أو غموض النص فإنه يلزم بالرجوع إلى الرأي الراجح أو المشهور أو ما جرى به العمل في مذهب الإمام مالك.
المطلب الثاني: من حيث المبادئ العامة.
تحكم النظام القضائي المغربي مجموعة من المبادئ ذات الأصل الإسلامي، منها ما يهدف إلى حماية القاضي، ومنها ما يهدف إلى حماية المتقاضي، منها ما نص عليها الدستور بصفة مباشرة أو بصفة ضمنية ، و منها ما أوردها القانون.
الفرع الأول : المبادئ المتصلة بحماية القاضي:
مبدأ استقلال القضاء: لقد تضمن الدستور المغربي ما يكفي من الضمانات التي تؤمن استقلال القضاء ، واستقلال القضاء يراد منه طبعا وضع القضاة في منأى عن كل تأثير خارجي، يمكن أن يبعدهم عن القيام بوظيفتهم السامية ألا وهي حماية الحريات وضمان الأمن و الاستقرار و التطبيق السليم للقانون.
وهكذا نجد الفصل 107 ينص على أن"السلطة القضائية مستقلة عن السلطة التشريعية و عن السلطة التنفيذية ، الملك هو الضامن لاستقلال السلطة القضائية". وفضلا عن وجود المحكمة الدستورية التي تسهر على مطابقة القوانين للدستور، فإن دستور 2011 نص على وجود مؤسسة دستورية تسهر على الالتزام بهذا المبدأ، وهي المجلس الأعلى للقضاء الذي أوكل إليه مهمة السهر على احترام الضمانات الممنوحة للقضاة فيما يرجع لترقيتهم وتأديبهم.
الفرع الثاني: المبادئ المتصلة بحماية المتقاضي:
أ- مبدأ المساواة: إذا كان الدستور المغربي لم ينص صراحة على مبدأ مساواة المتقاضين أمام القضاء، فإن هذا المبدأ قد ورد بصفة غير مباشرة في الفصول المتعلقة بالمساواة أمام القانون، كما أن سعي المغرب منذ الاستقلال إلى توحيد القضاء و إلغاء كل المؤسسات القضائية التي كرست التمييز بين المتقاضين إبان فترة الحماية خير دليل على احترام هذا المبدأ.
و يظهر هذا المبدأ جليا في القواعد الإجرائية التي تفرض على القاضي ألا يحكم إلا بعد سماع كافة الأطراف ، بل ويتيح لهم حق الدفاع ، ويواجه بينهم ، كل يدلي بحجته في مواجهة الاخر.
ب- مبدأ علانية الجلسات و شفوية المرافعات:
هو مبدأ يقتضي إذنا من القاضي لغير المتخاصمين لحضور مجلس القضاء ، ليسمع و يشاهد كل ما يدور فيه من دعوى و دفاع و سماع و شهود و نحو ذلك.
فقد كانت أقضية الرسول صلى الله عليه وسلم و أقضية خلفائه تتم في المساجد، وهو مكان عام يقصده كل مسلم ، ففي علانية جلسات التقاضي مبدأ مهم هو تحقيق نزاهة القضاء و عدالته ، لأنه يكفل إشراف الجمهور على أعمال المحاكم و مراقبة القضاء ، فيتعرفون على الواقعة محل النزاع و على الحجج و الدفوع و الحكم.
وفي القضاء المغربي، ينص الدستور من خلال الفصل 123 على انه "تكون الجلسات علنية ماعدا في الحالات التي يقرر فيها القانون خلاف ذلك" ، ويؤكدها الفصل125 منه" تكون الأحكام معللة وتصدر في جلسة علنية ووفق الشروط المنصوص عليها في القانون".
وهذا ما يؤكده قانون المسطرة الجنائية في المادة 300.
و يؤكده الفصل 43 من قانون المسطرة المدنية .
ولا تكون الجلسات سرية إلا في الحالات المنصوص عليها في المادتين 301و302 من قانون المسطرة الجنائية ، حيث يمنع الأحداث من حضورها وفي حالة وجود خطر على الأمن أو الأخلاق.
و السرية مقصورة على وقت السير في القضية ، أما النطق بالحكم فهو يتم في جلسة علنية.
شفوية المرافعات : هي تعتبر متممة لمبدأ علنية الجلسات ، حيث تتم مناقشة الوقائع و الخصوم و الشهود و محاولة سماع الحقيقة ولو كانت مستندة إلى حجج مكتوبة فهي تناقش داخل الجلسة.
ج- مبدأ تعدد درجات التقاضي:
لا يمكن النفي أن الشرع الإسلامي كان سباقا إلى إقرار هذا المبدأ منذ العصور الأولى، فقد ثبت أن الرسول صلى الله عليه و سلم نظر في قضية نظر فيها قاضيه باليمن علي أبي طالب.
و المغرب يتوفر على محاكم ابتدائية و تجارية و إدارية ، و تعتبر محاكم أول درجة ، أما محاكم الدرجة الثانية فهي محكمة الاستئناف ، محاكم الاستئناف التجارية و محاكم الاستئناف الإدارية ، أما بخصوص محكمة النقض فلا تعتبر درجة ثالثة لأن دورها يقتصر على مدى موافقة الحكم للقانون.
د- مبدأ مجانية القضاء:
كان للمجتمع الإسلامي السبق في تقرير مجانية القضاء ، بحيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم خصص لعتاب بن أسيد عندما عينه على مكة واليا وقاضيا حيث فرض له في كل يوم درهمين ، كما ذهب الفقهاء إلى وجوب إغناء القضاة حتى لا تمتد أيديهم إلى أموال الناس.
وهذا ما يشير إليه الفصل 107 من الدستور الذي ينص على التقاضي يكون مجانيا في المنصوص عليها قانونا لمن لا يتوفر على موارد كافية للتقاضي.
وهذا يعني أن الدولة هي التي تتكفل بجميع نفقات تجهيز وتسيير القضاء من أجور القضاة وموظفي المحاكم وتجهيزات وأدوات لسير المؤسسات القضائية.
ففرض رسوم قضائية على خاسر الدعوى لا يعتبر خرقا للمجانية ،لان الرسوم الرمزية لا تعني دفع مقابل للخدمات بل هو من باب تحقيق التوازن بين مجانية القضاء و مخاطر فتح باب التقاضي على مصراعيه.
هـ- مبدأ تسبيب الأحكام:
إن تسبيب الأحكام القضائية و بيان مستنداتها بالدليل و التعليل ، مبدأ مكفول في القضاء الإسلامي ، حيث كان الرسول صلى الله عليه وسلم يعلل الأحكام التي يحكم بها، لما في التسبيب من تطييب لنفس المحكوم عليه ، وتمكينه من الطعن في الحكم عند عدم الاقتناع به.
وهذا ما ينص عليه الدستور المغربي في الفصل 125 "تكون الأحكام معللة و تصدر في جلسة علنية وفق الشروط المنصوص عليها في القانون.
ر- مبدأ القضاء على الحجة و البرهان:
إن الإثبات في القضاء الشرعي هو المعيار في تمييز الحق من الباطل ، وكل إدعاء يبقى في نظر القضاء الشرعي محتاجا إلى دليل ، ولا يؤخذ به إلا بوجود الحجة و البرهان.
قال تعالى:"فإذا لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هو الكاذبون" .
وهذا ماحاول القضاء المغربي التطرق إليه من خلال:
+المادة 287 من قانون المسطرة الجنائية "لا يمكن للمحكمة أن يبنى مقررها إلا على حجج عرضت أثناء الجلسة ونوقشت شفهيا و حضوريا أمامها".
+المادة 296 من نفس القانون" تقام الحجة بشهادة الشهود وفقا لمقتضيات المادة 325 وما يليها إلى نهاية المادة 346 من هذا القانون".
خاتمة:
إن النظام القضائي الإسلامي يعد من أروع النظم القضائية لاستيعابه مختلف مناحي الحياة و مستجداتها تجسيدا لصلاح الشريعة الإسلامية لكل زمان و مكان، ولذلك كان حريا بالمشرع المغربي أن يحافظ على مرجعيته الغراء بشكل واسع و بالتالي يكون لها حظ الأسد داخل تشريعاته وليس بالصيغ المحتشمة كما هو عليه الحال الآن، مما يجعل منه تابعا إلى حد يفقد معه هويته وتاريخه الأصيل، وعلى هذا الأساس أمكننا أن نتساءل، إلى متى سيبقى المغرب تحت وطئت الاستعمار الضمني؟و إلى أي حد سوف يتخلص من تلك القيود؟
المراجع:
دستور المغرب الجديد 2011
قانون المسطرة المدنية
قانون المسطرة الجنائية
د. محمد الزحيلي . التنظيم القضائي في الفقه الإسلامي . ص 42.
إبراهيم نجيب : نظام الحسبة فس الإسلام ص 113
د. محمد رياض . أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي. طبعة 1996 ص 7
سورة النساء الآية 126
سورة النساء الآية 175
د. محمد رياض . أصول الفتوى والقضاء في المذهب المالكي. طبعة 1996 ص 247
إبن زيدان ( مولاي عبد الرحمان) : العز والصولة في معالم نظم الدول. الرباط. المطبعة الملكية. الجزء الأول: 1961 ص 39
إبن زيدان . الجزء الثاني . 1962 ص 9
إبن زيدان ص 9
د.أمينة جبران البخاري .القضاء الإداري ص 63
د. محمد محبوبي . أساسيات في التنظيم القضائي المغربي ص 15
دة. رجاء الناجي _ مكاوي . مدخل للعلوم القانونية الطبعة الثانية 2004 ص 55

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
عرض حول الجذور الإسلامية للقضاء المغربي
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
منتدى ماستر القضاء الإداري :: قسم خاص بطلبة الدراسات العليا :: محاضرات ووثائق خاصة بالماستر :: السداسية الأولى :: التنظيم القضائي-
انتقل الى: